جلال الدين السيوطي

579

الإتقان في علوم القرآن

الخير إلّا مقرونا بوصف أو إضافة تخلّصه لذلك ، كقوله : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأحقاف : 30 ] . وقال الراغب « 1 » : السّبيل الطريق الّتي فيها سهولة ، فهو أخصّ . ومن ذلك ( جاء وأتى ) « 2 » فالأول يقال في الجواهر والأعيان ، والثاني في المعاني والأزمان ، ولهذا ورد ( جاء ) في قوله : وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [ يوسف : 72 ] . وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [ الفجر : 23 ] . و ( أتى ) في : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . أَتاها أَمْرُنا [ يونس : 24 ] . وأما وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أي : أمره « 3 » ، فإنّ المراد به أهوال القيامة المشاهدة ، وكذا : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [ الأعراف : 34 ] ؛ لأنّ الأجل كالمشاهد ، ولهذا عبّر عنه بالحضور في قوله : حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ البقرة : 180 ] . ولهذا فرّق بينهما في قوله : جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 63 ) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ [ الحجر : 63 - 64 ] ؛ لأنّ الأول العذاب وهو مشاهد مرئيّ ، بخلاف الحق . وقال الراغب « 4 » : الإتيان : مجيء بسهولة ، فهو أخصّ من مطلق المجيء ، قال : ومنه قيل للسائل المارّ على وجهه : أتيّ وأتاويّ . ومن ذلك ( مد وأمدّ ) « 5 » قال الراغب « 6 » : أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب ، نحو : وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [ الطور : 22 ] . والمدّ في المكروه ، نحو : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [ مريم : 79 ] . ومن ذلك ( سقى وأسقى ) « 7 » فالأول لما لا كلفة فيه ، ولهذا ذكر في شراب الجنّة ، نحو وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً [ الإنسان : 21 ] . والثاني لما فيه كلفة ، ولهذا ذكر في ماء الدنيا ، نحو : لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجن : 16 ] .

--> ( 1 ) المفردات ص 223 . ( 2 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 57 - 60 ، والمفردات ص 8 - 9 . ( 3 ) إنّ إثبات صفة المجيء والإتيان للرب - عز وجل - لا يستلزم ذلك التشبيه والتجسيم ، وإنما نثبت ذلك على الوجه اللائق بجلاله وعظمته ، كما في الأحاديث الصحيحة . انظر تفسير ابن كثير 4 / 510 ، وتفسير البغوي 4 / 486 ، وتفسير الطبري 12 / 576 - 578 . وانظر الردود والتعقبات ص 175 - 174 ، والصواعق المرسلة 2 / 107 ، ورد الدارمي على بشر المريسي ص 148 . ( 4 ) المفردات ص 8 . ( 5 ) انظر المفردات ص 465 ، وعمدة الحفاظ 4 / 88 - 89 . ( 6 ) المفردات ص 465 . ( 7 ) عمدة الحفاظ 2 / 236 ، والمفردات ص 235 .